top of page

الحرية الواعية: كيف نوسّع هامش اختيارنا داخل طيف التقييد؟

  • صورة الكاتب: المدرب محمد العمصي
    المدرب محمد العمصي
  • 23 مايو
  • 2 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: 26 مايو

في كثير من الخطابات الشائعة تُفهم الحرية على أنها انعتاق كامل من القيود: أن يفعل الإنسان ما يريد، متى يريد، وكيف يريد. لكن هذا الفهم، رغم جاذبيته، يظل أقرب إلى شعار نفسي منه إلى نموذج قابل للفحص. فنحن لا نولد في فراغ؛ نأتي إلى العالم داخل جسد، وذاكرة، ولغة، وثقافة، وجهاز عصبي، وعلاقات، ومخاوف، ورغبات، وتاريخ شخصي لا نختاره كاملًا. لذلك لا تبدأ الحرية من إنكار القيود، بل من رؤية القيود بوضوح.

في مؤلفات محمد العمصي، وخصوصًا ضمن نماذج ديناميات أوسيا والكونشيوسايبرناتكس، لا يُنظر إلى الإنسان كآلة مادية مغلقة، ولا كروح مفارقة منفصلة عن العالم، بل كدوّامة تنظيمية داخل حقل أوسع من الوجود. هذا يعني أن الذات ليست شيئًا ثابتًا، وليست وهمًا عابرًا، بل نمط حيّ من التنظيم يتغير، يتصلب، ينفتح، ينهار أحيانًا، ثم يعيد ترتيب نفسه عبر التجربة والانتباه والتصحيح.

من هذا المنظور، لا تكون الحرية قدرة مطلقة على تجاوز كل شرط، بل مساحة دقيقة بين الحتمية المطلقة والفوضى المطلقة. إنها القدرة على أن يلاحظ الوعي حالته، يقارنها باتجاه أعمق، ثم يدخل تعديلًا صغيرًا في المسار. حين يغضب الإنسان مثلًا، لا تبدأ الحرية من منع الغضب، بل من لحظة ملاحظته قبل أن يتحول إلى فعل أعمى. وحين يخاف، لا تبدأ الحرية من إنكار الخوف، بل من القدرة على البقاء واعيًا داخله دون أن يصبح الخوف هو القائد.

هنا تظهر الإرادة لا كقوة غامضة فوق الواقع، بل كوظيفة تنظيمية داخل الوعي. الإرادة الواعية تعني أن نمتلك قدرة متزايدة على الملاحظة، والتوجيه، والتصحيح. وكلما تكررت هذه الدورة، اتسع هامش الاختيار. ما كان تلقائيًا يصبح مرئيًا، وما كان قاهرًا يصبح قابلًا للتعامل، وما كان يبدو جزءًا ثابتًا من الهوية يظهر كطبقة قابلة لإعادة التنظيم.

هذا الفهم لا يسقط في الاختزال المادي الساذج، لأنه لا يختصر الإنسان في الدماغ والسلوك فقط. ولا يسقط كذلك في الروحانية الدوغمائية، لأنه لا يحوّل كل تجربة داخلية إلى حقيقة نهائية. بل يضعنا أمام منهج أكثر هدوءًا: التجربة تُلاحظ، التفسير يُراجع، والنموذج يُختبر.

بهذا المعنى، تصبح الحرية الواعية ممارسة يومية لا ادعاءً كبيرًا. أن تتنفس قبل أن ترد. أن تلاحظ قبل أن تصدق. أن تفصل بين ما حدث، وما شعرت به، وما فسّرته. أن تدرك أن وعيك ليس سجنًا مغلقًا، بل حقلًا قابلًا لإعادة التنظيم.

ليست الحرية أن نخرج من كل قيد، بل أن نصبح أكثر وعيًا بطريقة عمل القيود داخلنا. وعندما يتسع هذا الوعي، لا نغادر الحياة؛ بل نعود إليها بقدرة أعمق على الاختيار.


فن السيادة الإنسانية
$5.99
شراء الآن

تعليقات


bottom of page