top of page

الحيرة الواعية: حين لا تكون الأسئلة علامة ضياع

  • صورة الكاتب: المدرب محمد العمصي
    المدرب محمد العمصي
  • 27 مايو
  • 2 دقيقة قراءة

ليست الحيرة دائمًا علامة فقدان الطريق. أحيانًا تكون الحيرة بداية خروج الإنسان من الإجابات الجاهزة إلى علاقة أكثر صدقًا مع الواقع. فالعقل الذي لا يحتار أبدًا قد يكون عقلًا محاطًا بجدران مريحة، لا عقلًا وصل إلى الحقيقة. في قضايا الوعي والوجود، تبدو الحيرة حالة ضرورية؛ لأنها تكشف لنا أن النماذج التي ورثناها أو صنعناها لا تكفي دائمًا لاحتواء التجربة.


الحيرة الواعية تختلف عن الارتباك العشوائي. الارتباك يشتت الإنسان ويجعله يدور بين الاحتمالات بلا اتجاه. أما الحيرة الواعية فتبقي السؤال حيًا دون أن تسمح له بابتلاع الحياة. إنها تقول: “لا أفهم بعد”، لكنها لا تقول: “إذن لا معنى لأي شيء”. وتقول: “ربما كان هناك ما يتجاوز النموذج الحالي”، لكنها لا تقفز فورًا إلى تفسير نهائي. بهذا المعنى، الحيرة ليست ضعفًا معرفيًا، بل مساحة انتقال بين نموذج قديم لم يعد يكفي، ونموذج جديد لم ينضج بعد.


في كتابات محمد العمصي، يظهر هذا الموقف بوضوح في رفض الاختزال المادي الساذج من جهة، ورفض الروحانية الدوغمائية من جهة أخرى. فالتجربة الوعيّة لا تُلغى لأنها غير مألوفة، ولا تُقدّس لأنها مؤثرة. بل توضع في مساحة فحص: ماذا حدث؟ كيف نميّز بين التجربة والتفسير؟ وأي نموذج يمكنه أن يفسر دون أن يدّعي امتلاك الحقيقة النهائية؟ في دياثيونوسيس مثلًا، يُقدَّم النموذج بوصفه أداة مفهومية للحديث عن الوجود ككل موحد، لا بوصفه إعلانًا نهائيًا للحقيقة.


الحيرة الواعية تحمي الإنسان من استعجال اليقين. فحين نواجه تجربة خارج-فيزيائية، أو لحظة اتساع داخلي، أو شعورًا بأن الوعي أعمق من الجسد، قد نرغب في تثبيت المعنى فورًا. لكن التثبيت السريع قد يكون هروبًا من توتر السؤال أكثر مما هو معرفة. إن النضج هنا أن نمنح التجربة حقها دون أن نحمّلها ما لا تحتمل.


ومن منظور الوعي كحقل، يمكن فهم الحيرة كحالة إعادة تنظيم. عندما لا تعود الدوامة الوجودية القديمة قادرة على تفسير ما يحدث، يظهر اضطراب مؤقت. هذا الاضطراب ليس مشكلة بحد ذاته، بل قد يكون علامة أن الوعي يعيد ترتيب حدوده. الإرادة التنظيمية هنا لا تعني فرض إجابة بالقوة، بل توجيه الانتباه نحو وضوح تدريجي: ملاحظة، كتابة، مقارنة، اختبار، ثم مراجعة.


في الكونشيوسايبرناتكس، لا يكون التعامل مع المجهول قائمًا على التصديق أو الرفض فقط، بل على حلقات تعلم: تحديد الحالة، رصد الإشارات، تعديل الفرضيات، وفحص النتائج. هذا المنهج يجعل الحيرة قابلة للتحول من قلق مبعثر إلى بحث منضبط.


ربما يحتاج الإنسان المعاصر إلى مصالحة مع الحيرة. لا بوصفها عجزًا، بل بوصفها أمانة معرفية. فالحيرة التي تُعاش بوعي لا تهدم الإنسان؛ إنها تمنعه من السقوط في يقين رخيص. وبين جمود الإجابات الجاهزة وفوضى الشك المطلق، توجد منطقة أكثر نضجًا: أن نسير داخل السؤال، لا لأننا تائهون، بل لأن الحقيقة أوسع من أن تُختصر بسرعة.

تعليقات


bottom of page