الخريطة لا العقيدة: كيف نفكر في الوعي دون أن نحبس المجهول؟
- المدرب محمد العمصي

- 22 يونيو
- 2 دقيقة قراءة
من أخطر ما يواجه الباحث في قضايا الوعي أن تتحول الفكرة المفيدة إلى قفص. يبدأ الأمر غالبًا بنموذج يساعدنا على الفهم: الوعي كحقل، الدوامات الوجودية، الإرادة التنظيمية، أو الواقع متعدد الأبعاد. هذه النماذج تمنح العقل لغةً للتعامل مع ما يصعب القبض عليه. لكنها، إذا نُسيت حدودها، قد تتحول من أدوات للفهم إلى معتقدات مغلقة. هنا تظهر أهمية الفكرة التي تتكرر في كتابات محمد العمصي: النموذج خريطة، لا حقيقة نهائية. ففي مقدمة دياثيونوسيس يصرّح النص بأن النموذج ليس إعلانًا لحقيقة مطلقة، بل أداة مفهومية للتعلم والفحص.
الخريطة لا تلغي الأرض التي تصفها، ولا تحلّ محلها. إنها تساعدنا على السير، لكنها لا تختصر الطريق كله. كذلك النماذج الوعيّة: تنظم التجربة، تقترح العلاقات، وتفتح احتمالات تفسيرية، لكنها لا تمنحنا حق إغلاق السؤال. فالوعي، خصوصًا حين يُدرس من الداخل، لا يكشف نفسه دفعة واحدة. إنه يظهر عبر طبقات: إحساس، صورة، معنى، أثر، ثم محاولة تفسير. وكل طبقة قد تكون صادقة في مستواها، لكنها لا تكفي وحدها لبناء يقين شامل.
المشكلة لا تكمن في استخدام النماذج، بل في التعلّق بها. قد يقرأ شخص عن الوعي كحقل، فيبدأ برؤية كل تجربة بوصفها دليلًا قاطعًا على هذا النموذج. وقد يقرأ عن الواقع متعدد الأبعاد، فيجعل كل حلم أو حدس أو اهتزاز داخلي برهانًا نهائيًا على بنية كونية محددة. هنا لا يعود النموذج وسيلة للفهم، بل يتحول إلى مرشح يفرض تفسيره على كل شيء. بدل أن يسأل الإنسان: ماذا حدث؟ يبدأ بسؤال مختلف: كيف أجعل ما حدث يؤكد ما أؤمن به؟
لهذا تبدو الحاجة ملحّة إلى تواضع منهجي. فرفض الاختزال المادي الساذج لا يعني القفز إلى يقين ميتافيزيقي جاهز. والاعتراف بأن التجربة الذاتية مهمة لا يعني أن كل تفسير لها صحيح. في كونشيوسايبرناتكس يظهر هذا التوازن بوضوح: الوعي لا يُدرس كظاهرة عصبية فقط، ولا كسر روحاني معزول عن الفحص، بل كنظام حي قابل للرصد والتوجيه والتصحيح، مع ضرورة التمييز بين التجربة وتفسيرها وبناء معرفة قابلة للنقد والمراجعة.
النموذج الناضج هو الذي يسمح بتجاوزه. فإذا ظهرت تجربة لا يفسرها جيدًا، لا ينبغي إنكار التجربة ولا ليّها كي تناسب الخريطة. بل يجب تعديل الخريطة نفسها. هذا هو الفرق بين التفكير الحي والتفكير العقائدي. الأول يتعلم من مقاومة الواقع له، والثاني يغضب من الواقع لأنه لا يوافقه.
ربما يحتاج الباحث في الوعي إلى أن يحمل نماذجه بخفة. يستخدمها حين تنير، ويضعها جانبًا حين تعتم. يتعامل مع الوعي كحقل مفتوح لا كملف مغلق، ومع الدوامات الوجودية كاستعارة تنظيمية لا كصورة حرفية نهائية. عندها يصبح البحث أكثر صدقًا: لا هروبًا إلى غموض بلا ضوابط، ولا استسلامًا لاختزال يقتل التجربة، بل سيرًا واعيًا بين الخريطة والمجهول.
فالنموذج الجيد لا يقول لنا: توقّف، لقد وصلت. بل يقول: انظر من هنا، ثم واصل.



تعليقات