top of page

الهدوء بوصفه مهارة معرفية

  • صورة الكاتب: المدرب محمد العمصي
    المدرب محمد العمصي
  • 29 يونيو
  • 2 دقيقة قراءة

في زمن السرعة، صار الهدوء يبدو كأنه رفاهية نفسية أو مزاج شخصي. لكن في سياق دراسة الوعي، يمكن النظر إلى الهدوء بوصفه مهارة معرفية أساسية. فالإنسان المضطرب لا يفقد راحته فقط، بل يفقد أحيانًا قدرته على رؤية التجربة كما هي. يصبح كل إحساس دليلًا، وكل فكرة تهديدًا، وكل انفعال حقيقة نهائية. لذلك لا يكون الهدوء مجرد حالة مريحة، بل شرطًا أوليًا للفهم.


في كتابات محمد العمصي، يتكرر المعنى الذي يفصل بين التجربة والتفسير والنموذج. هذا الفصل لا يمكن أن يحدث في حالة اندفاع داخلي شديد. عندما يمر الإنسان بتجربة وعيّية عميقة، أو حالة انتقالية بين النوم واليقظة، أو إحساس خارج-فيزيائي، فإن أول ما يحتاجه ليس تفسيرًا كبيرًا، بل مساحة هادئة للملاحظة. ماذا حدث؟ كيف بدأ؟ ما الذي شعرت به؟ ما الذي رأيته فعلًا؟ وما الذي أضفته لاحقًا من خوف أو رغبة أو توقع؟ من دون هذا الهدوء، تختلط طبقات التجربة، ويصير من الصعب التمييز بين المعطى الأصلي والتأويل اللاحق.


لا يعني الهدوء هنا البرود أو اللامبالاة. بل يعني أن يظل الوعي حاضرًا بما يكفي كي لا يبتلعه الحدث. فالإنسان قد يختبر شيئًا غريبًا، لكنه لا يحتاج إلى القفز فورًا إلى يقين مطلق. وقد يواجه شكًا عميقًا، لكنه لا يحتاج إلى تحويل الشك إلى عداء للتجربة. في هذا الوسط الدقيق تظهر قيمة الوعي المنضبط: لا يصدّق بسرعة، ولا ينكر بسرعة.


تظهر هذه الروح بوضوح في مشروع دياثيونوسيس، حيث يُقدَّم النموذج بوصفه أداة مفهومية لا إعلانًا لحقيقة نهائية؛ أي أن النموذج يساعد على التعلم ما دام محمولًا بتواضع، لا بوصفه موضوعًا للإيمان المغلق. وهذا يتطلب قدرًا من السكون الداخلي؛ لأن التعلّق بالنموذج غالبًا ينشأ من حاجة نفسية إلى الأمان. الإنسان يريد جوابًا نهائيًا كي يرتاح، لكن البحث الناضج يطلب راحة من نوع آخر: راحة القدرة على البقاء مع السؤال دون انهيار.


ومن زاوية الكونشيوسايبرناتكس، يمكن فهم الهدوء كجزء من تنظيم النظام الداخلي. فالوعي لا يُعامل كظاهرة عصبية فقط، ولا كسر روحاني خارج الفحص، بل كنظام حي يمكن رصده وتوجيهه وتصحيحه. وكل نظام يحتاج إلى درجة من الاستقرار كي يقرأ إشاراته بدقة. فإذا كان الانتباه مشتتًا، والجسد متوترًا، والعاطفة مشحونة، فإن التغذية الراجعة نفسها تصبح مشوشة. عندها لا يعرف الإنسان: هل ما يشعر به إشارة حقيقية، أم صدى خوف، أم تضخيم ناتج عن التوقع؟


لهذا يمكن القول إن الهدوء ليس عكس العمق، بل شرط له. كثيرون يظنون أن التجربة العميقة يجب أن تكون صاخبة ومزلزلة، بينما قد يكون العمق الحقيقي أكثر هدوءًا: وضوح بسيط، انتباه ثابت، قدرة على المراجعة، واستعداد لتعديل الفكرة عندما تكشف التجربة ما يخالفها.


إن تدريب الوعي لا يبدأ دائمًا بتقنيات معقدة أو مفاهيم كبيرة. قد يبدأ بأن يجلس الإنسان مع تجربته دون استعجال، وأن يكتبها دون مبالغة، وأن يسألها دون خوف، وأن يسمح لها بأن تبقى مفتوحة. في هذا المعنى، يصبح الهدوء فعلًا معرفيًا: ليس هروبًا من المجهول، بل طريقة أكثر نضجًا للاقتراب منه.



السائر بين العوالم ( النسخة المحدثة والموسعة)
$14.99
شراء الآن

تعليقات


bottom of page