top of page

ملخص تاريخ تجارب الخروج من الجسد


عبر التاريخ وفي العديد من السياقات الثقافية والدينية، تم الإبلاغ عن تجارب الخروج من الجسد ووصفها بطرق عدة، وعلى الرغم من الاختلافات في التفسير، غالبًا ما كان يُنظر إلى هذه التجارب على أنها ذات أهمية شخصية وجماعية كبيرة، لا سيما في مجال فهم طبيعة الذات البشرية والوجود، وفهم العلاقة بين الذات والعالم الروحي، لذا كانت تعتبر تجارب مهمة للنمو الشخصي والروحي، وكذلك للتواصل مع العوالم والقوى غير المرئية.

قارن دين شيلز (Dean Sheils) المعتقدات في تجارب الخروج من الجسد في 70 ثقافة غير غربية، ووجد أن مثل هذه المعتقدات تظهر في حوالي 95٪ من ثقافات العالم وهي موحدة بشكل لافت للنظر، على الرغم من اختلاف الثقافات اختلافًا كبيرًا في الموقع الجغرافي والبنية[1].

من هذا الدليل، يمكننا أن نستنتج أن شكلًا من أشكال الاعتقاد في تجارب الخروج من الجسد كان شائع جدًا في الثقافات المختلفة، فالدلائل العديدة تشير إلى أن البشر منذ العصور القديمة (العصر الحجري القديم الأوسط[2]) آمنوا بوجود عوالم أخرى، كما آمنوا بقدرة الأحياء على الوصول إليها من خلال تجارب ووسائل معينة[3]، كما اعتقدت بعض الثقافات القديمة كالشامانية أن الحالات المتغيرة للوعي بما فيها تجارب الخروج من الجسد هي طريقة للتواصل مع عالم الأرواح وطلب الإرشاد أو الشفاء، وفي حضارات القديمة كتلك في مصر واليونان، اُعتبرت تجارب الخروج من الجسد شكلاً من أشكال التواصل الروحي مع الآلهة أو الموتى[4] [5].

تؤمن العديد من الأديان، بما في ذلك الهندوسية والبوذية والطاوية، وكذلك بعض الديانات التوحيدية، بوجود عوالم خارج عالمنا المادي، وغالبًا ما يُنظر إلى هذه العوالم الأخرى على أنها روحية أو أثيريّة أو متعالية، كما أن العديد من هذه الأديان يشترك بالاعتقاد بوجود جسدٍ ثانٍ "أثيريٍ"[6] أو "روحٍ"[7]، التي تختلف عن الجسد المادي وأنه من الممكن لها الانفصال عن الجسد المادي والذهاب في رحلات إلى العوالم الروحية، يظهر في مثل هذه الرحلات نمط مشترك من الصعود، حيث يترك المسافر الروحي جسده المادي ويسافر جسده الآخر إلى "عوالم أعلى" في العادة خلال النوم أو الموت أو في حالات أخرى خاصة[8].

في العصور الوسطى، غالبًا ما ارتبطت تجارب الخروج من الجسد، بالسحر والعلوم الشيطانية، واعتقد الناس أن هذه التجارب كانت شكلاً من أشكال الاستحواذ الشيطاني، وأن الأفراد الذين مروا بهذه التجارب كانوا متحالفين مع الشيطان، وكان هذا الاعتقاد سائدًا في كل من الثقافات المسيحية والإسلامية خلال هذه الفترة الزمنية، حيث كان للكنيسة وعلماء المسلمين تأثير كبير على المجتمع وشددوا في كثير من الأحيان على خطر الظواهر الخارقة للطبيعة[9] [10].

أما في العصر الحديث، فقد أصبحت تجارب الخروج من الجسد موضوعًا مهمًا للباحثين والعلماء في مختلف المجالات مثل علم النفس وعلم الأعصاب والباراسيكولوجي[11]، واستخدم هؤلاء الباحثون طرقًا مثل استطلاعات التقرير الذاتي وتقنيات تصوير الدماغ كما التجارب المعملية لدراسة الآليات النفسية والعصبية المرتبطة بـهذه التجارب[12].

أصبحت تجارب الخروج من الجسد أيضًا موضوعًا مهمًا في الحركات الروحية وحركات العصر الجديد، فقد أفاد العديد من الأشخاص بوجود هذه التجارب كجزء من ممارساتهم الروحية أو كنتيجة لتجارب الاقتراب من الموت وغيرها[13] [14].

لذا بشكل عام، يمكن أن توفر دراسة تاريخ تجارب الخروج من الجسد عبر مختلف الأعمار والثقافات فهمًا أعمق للطرق المختلفة التي فسر بها الناس هذه التجارب وفهموها عبر التاريخ، كما يمكن أن يعطي نظرة ثاقبة حول كيفية تأثير المعتقدات الثقافية والدينية والعلمية لعصر معين على فهم هذه التجارب. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تساعدنا دراسة تاريخ هذه التجارب على توفير منظور أوسع لمفهوم الذات والوعي وكيف تم فهمهما وتجربتهما عبر الثقافات والفترات الزمنية المختلفة.


[1] Sheils, Dean. (1978). A cross-cultural study of beliefs in out-of-the-body experiences, waking and sleeping. Journal of the Society for Psychical Research. 49. 697-741. [2] العصر الحجري القديم الأوسط مصطلح يستخدم في علم الآثار والأنثروبولوجيا للإشارة إلى فترة في تطور التكنولوجيا والثقافة البشرية التي حدثت بين العصر الحجري القديم المبكر والعصر الحجري القديم الأعلى. يعود تاريخ هذه الفترة عادةً إلى ما بين 300،000 إلى 30،000 سنة مضت وترتبط بالتطور المبكر للإنسان العاقل Homo sapiens، النوع الذي ينتمي إليه الإنسان الحديث. [3] Lewis-Williams, D. (2002). The mind in the cave: Consciousness and the origins of art. New York, NY: Thames & Hudson. [4] Brier, B. (1980). Ancient Egyptian religion: An interpretation. Cornell University Press. [5] Jung, C. G. (1967). Alchemical studies. Princeton University Press. [6] الجسد الأثيري (Astral body) نظير خفي لجسم الإنسان المادي يرافقه، ولكن لا ينفصل عنه عادة في الحياة وينجو من موته [7] بشكل عام، تعتبر الروح هي الجانب غير المادي للإنسان المسؤول عن إحساس الفرد بالذات والوعي والهوية الشخصية. غالبًا ما يُنظر إلى الروح على أنها منفصلة عن الجسد المادي ويُعتقد أنها موجودة خارج حدود العالم المادي. [8] Woolger, R. J. (2014). Beyond death: Transition and the afterlife, Retrieved on May, 9, 2021 from the website of the Royal College of Psychiatrists. [9] Mackay, C. S. (2014). The Hammer of Witches: A Complete Translation of the Malleus Maleficarum. Cambridge University Press. [10] Scarre, G. (2002). Witchcraft and Magic in Sixteenth- and Seventeenth Century Europe. Pearson Education Limited. [11] Blanke, O., Ortigue, S., Landis, T., & Seeck, M. (2002). Stimulating illusory own-body perceptions. Nature, 419(6904), 269-270. [12] Shiraki, Y., Kotozaki, Y., Maki, A., & Sugiura, M. (2019). Neural correlates of out-of-body experiences: A combined neuroimaging study. Scientific reports, 9(1), 1-12. [13] Greyson, B. (1983). The Near-Death Experience Scale: Construction, reliability, and validity. Journal of Nervous and Mental Disease, 171(6), 369-375. [14] Gurney, E., Myers, F. W. H., & Podmore, F. (1886). Phantasms of the living. London: Trubner & Co.

٥ مشاهدات٠ تعليق

Comments


bottom of page