top of page

هيثم طلعت وثقافة التكفير: حين تتحول مناقشة الأفكار إلى محاكمة أصحابها

قبل يوم واحد
7 دقيقة قراءة

ثمة ظاهرة مقلقة بدأت تتسع في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، تتمثل في تصاعد خطاب ديني لا يكتفي بنقد الأفكار والمعتقدات، بل يتجاوز ذلك إلى التشكيك في إيمان أصحابها، والتخويف منهم، وتصويرهم باعتبارهم خطرًا على العقيدة والمجتمع.

ولعل من أبرز المجالات التي تتعرض لهذا النوع من الخطاب ما يُعرف بعلوم الطاقة والروحانيات وتجارب الخروج من الجسد، أو ما يسميه البعض «الإسقاط النجمي».

وأنا هنا لا أكتب دفاعًا عن جميع الممارسات الروحانية، ولا أتبنى كل ما يقوله من يُطلق عليهم «الطاقيون»، ولا أتفق بالضرورة مع شخصيات مثل أميرة المغربي أو غيرها في جميع أطروحاتها. بل إن لدي اعتراضاتي العلمية والفلسفية على كثير من الأفكار المتداولة في هذه المجالات.

لكن هناك فرقًا جوهريًا بين أن ننتقد فكرة، وأن نحاكم صاحبها دينيًا وأخلاقيًا لمجرد أنه يفكر بطريقة مختلفة. وهذا الفرق هو ما يبدو أنه يتلاشى تدريجيًا في بعض الخطابات المنتشرة اليوم.


تجربتي الشخصية: من البحث عن الحقيقة إلى الاتهام بالكفر

بدأت تجربتي مع ظاهرة الخروج من الجسد منذ طفولتي، قبل أن أعرف أصلًا مصطلح «الإسقاط النجمي»، وقبل أن أقرأ كتب الروحانيات أو أتعرف إلى المدارس الفكرية التي تناولت هذه الظاهرة.

لم أبدأ رحلتي باعتناق عقيدة شرقية، ولم أكن أبحث عن ممارسة دينية بديلة، بل وجدت نفسي أمام تجارب شخصية غير مألوفة أثارت في داخلي أسئلة عميقة عن طبيعة الوعي والوجود والعلاقة بين العقل والجسد.

ومع تقدمي في العمر، بدأت أبحث عن تفسيرات لهذه التجارب، فدرستها من زوايا متعددة، علمية وفلسفية ونفسية وروحية، واطلعت على أطروحات مختلفة، وحاولت المقارنة بينها والبحث عن نقاط قوتها وضعفها.

لم أتعامل مع تجربتي الشخصية باعتبارها دليلًا قاطعًا على تفسير ميتافيزيقي محدد، بل باعتبارها ظاهرة تستحق البحث والتساؤل.

وبمرور السنوات، شاركت ما تعلمته مع الآخرين عبر الكتب والمحاضرات والمحتوى التعليمي والدورات المجانية والمدفوعة، وساعدت أشخاصًا كثيرين على فهم تجاربهم والتعامل معها.

كنت أعتقد أن الاختلاف حول تفسير هذه الظواهر أمر طبيعي ومشروع، وأن بإمكاننا مناقشتها علميًا وفلسفيًا، حتى لو انتهينا إلى نتائج متباينة. لكنني فوجئت بأن بعض الاعتراضات لم تكن موجهة إلى الأفكار أو الأدلة، بل إلى إيماني وعقيدتي وشخصي.

وأذكر حادثة تركت في نفسي أثرًا عميقًا. تلقيت ذات مرة رسالة إلكترونية من طفل بدا لي أنه لا يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، يخبرني فيها بكل ثقة أنني كافر. سألته عن السبب، فأخبرني أنه شاهد مقطع فيديو لهيثم طلعت!

تأملت الموقف طويلًا. كيف وصل طفل في هذه السن إلى مرحلة يصدر فيها حكمًا دينيًا بهذه الخطورة على شخص لا يعرفه، ولم يقرأ أبحاثه، ولم يناقش أفكاره، ولم يطلع على تجربته؟

من أين اكتسب هذه الثقة في إصدار الأحكام على إيمان الآخرين؟ هنا أدركت أن المشكلة تتجاوز مجرد الخلاف حول الإسقاط النجمي أو علوم الطاقة. إننا أمام مشكلة أعمق تتعلق بثقافة التلقي، وطريقة تشكيل الوعي الديني لدى بعض المتابعين، خصوصًا صغار السن.


هيثم طلعت: أين ينتهي النقد وتبدأ الوصاية؟

يُعد هيثم طلعت من الشخصيات البارزة في المحتوى الديني الذي يتناول الإلحاد والروحانيات والممارسات المرتبطة بالطاقة. ومن حقه، مثل غيره، أن ينتقد هذه الأفكار، وأن يعترض عليها من منطلق ديني أو فلسفي أو علمي.

لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول الاختلاف الفكري إلى خطاب مشحون باتهامات عقدية وأوصاف مخيفة. فقد نُسب إلى منشور في قناته على تلغرام وصف الإسقاط النجمي بأنه «حالة تلبس شيطاني كامل ورؤى شيطانية».

وهنا أطرح سؤالًا بسيطًا: ما الدليل الذي يثبت أن تجربة الخروج من الجسد هي بالضرورة حالة تلبس شيطاني؟ هل أُجريت دراسة علمية تثبت ذلك؟ وهل يمكن اختبار هذه الفرضية؟ وما المعايير التي تسمح لنا بالتمييز بين تجربة نفسية أو عصبية وبين حالة يُزعم أنها تدخل شيطاني؟

إذا كان تفسير الظاهرة تفسيرًا دينيًا قائمًا على اعتقاد معين، فمن الأمانة المعرفية تقديمه باعتباره تفسيرًا عقديًا، لا حقيقة علمية مثبتة. وإذا كان الادعاء علميًا، فينبغي تقديم الأدلة العلمية التي تدعمه.

أما الانتقال مباشرة من ظاهرة معقدة ومختلف في تفسيرها إلى الجزم بأنها تلبس شيطاني، فهو لا يحل الإشكالية المعرفية، وإنما يستبدل السؤال بإجابة مسبقة.

ومن المهم هنا التفريق بين وصف ممارسة بأنها محرمة أو مخالفة للعقيدة، وبين تكفير الأشخاص الذين يمارسونها؛ فهما ليسا حكمًا واحدًا.

لكن ذلك لا يمنع من نقد اللغة المستخدمة، أو مساءلة أثرها في المتلقين، خصوصًا عندما تتحول لدى بعضهم إلى مبرر لتوزيع الأحكام الدينية على الآخرين. والرسالة التي تلقيتها من ذلك الطفل مثال شخصي على ما أخشاه من هذه الثقافة.


لست مدافعًا عن جميع الطاقيين والروحانيين

أريد أن أوضح مسألة أساسية: ليس كل ما يُطرح تحت عنوان «الطاقة» علمًا، وليس كل ادعاء روحاني حقيقة، وليس كل تجربة شخصية دليلًا على صحة التفسير الذي يمنحه صاحبها لها.

هناك بالفعل ممارسات تستحق النقد، وادعاءات تفتقر إلى الأدلة، وأشخاص يقدمون وعودًا علاجية أو معرفية لا يستطيعون إثباتها. وأنا أؤيد إخضاع هذه الادعاءات للنقد العلمي والفلسفي الصارم.

بل إنني أرى أن حماية الجمهور من التضليل والاستغلال جزء أساسي من مسؤوليتنا الأخلاقية والمعرفية. لكن لماذا يجب أن يكون البديل عن التصديق الأعمى هو التكفير والتخويف؟

لماذا لا نناقش الأدلة؟ لماذا لا نكشف الأخطاء المنهجية؟ لماذا لا نميز بين التجربة نفسها وبين التفسيرات المختلفة لها؟

يمكنني أن أختلف مع أميرة المغربي، أو مع أي شخص يقدم أطروحات حول الطاقة والروحانيات، دون أن أطالب بإسكاته أو أشكك في إيمانه. ويمكنني أن أرفض ادعاءً علميًا دون أن أتهم صاحبه بالشعوذة أو الانحراف الديني.

إن الدفاع عن حق الإنسان في التفكير والتعبير لا يعني الموافقة على أفكاره. وهذه من أبسط قواعد الحوار التي يبدو أننا بحاجة إلى إعادة ترسيخها.


ثقافة التكفير وإلغاء الآخر

أخطر ما في الخطاب الإقصائي أنه لا يكتفي بإقناع الجمهور بخطأ فكرة معينة، بل قد يدربه على النظر إلى أصحاب الأفكار المختلفة باعتبارهم خصومًا دينيين يجب الحذر منهم. وهكذا يتحول الاختلاف من فرصة للتفكير إلى سبب للعداء.

وبدلًا من أن يتعلم الشاب كيف يفحص الأدلة ويقارن الحجج، يتعلم البحث عن التصنيف المناسب للشخص الذي أمامه. هل هو طاقي؟ هل هو روحاني؟ هل يمارس الإسقاط النجمي؟ هل يؤمن بمفاهيم لا تتفق مع التفسير الديني الذي يتبناه المتحدث؟ ثم يبدأ إصدار الأحكام.

وهذا النمط من التفكير لا يضر المختلفين وحدهم، بل يضر أيضًا الأشخاص الذين يتبنون هذا الخطاب؛ لأنه يضعف قدرتهم على النقد المستقل، ويجعلهم أكثر اعتمادًا على سلطة المتحدث بدلًا من قوة الحجة.

إن الإنسان الذي يتعلم أن يرفض الفكرة قبل فهمها، وأن يدين صاحبها قبل محاورته، لا يمارس التفكير النقدي، حتى لو اعتقد أنه يدافع عن الحقيقة.


الدين ليس ملكية حصرية لأحد

من حق أي إنسان أن يتبنى فهمًا معينًا للدين، وأن يعتقد بصحته، وأن يدافع عنه بالأدلة والحجج. لكن المشكلة تبدأ عندما يعتقد أن فهمه الخاص هو التفسير الوحيد الذي يحق للآخرين اعتناقه، وأن كل اختلاف معه يستدعي التشكيك في عقيدة صاحبه.

فالتدين لا يمنح الإنسان سلطة مطلقة على ضمائر الآخرين. والاختلاف في تفسير ظاهرة تتعلق بالوعي أو الروح أو الطبيعة البشرية لا يعني بالضرورة الاختلاف في أصول الإيمان.

ثم إن التاريخ الإسلامي نفسه حافل بالنقاشات الفلسفية والكلامية والتفسيرية، وباختلافات واسعة في فهم مسائل العقل والروح والنفس والوجود.

وليس المطلوب من كل شخص أن يقبل جميع الآراء، بل أن يدرك أن الاعتراض العلمي والفكري شيء، وإصدار الأحكام على إيمان الأفراد شيء آخر.

وأنا أرفض أن يتحول الدين من مجال للتأمل الأخلاقي والبحث عن الحقيقة إلى أداة لإرهاب المختلفين فكريًا.


أين دور المؤسسات والجهات المعنية؟

ما يثير استغرابي أيضًا هو مدى الانتباه الذي توليه المؤسسات المعنية بالتعليم والخطاب الديني وحماية المجتمع لهذه الظاهرة. لا أدعو إلى منع النقد الديني، ولا إلى إسكات من يعارضون الروحانيات أو علوم الطاقة. على العكس، أؤمن بحقهم الكامل في التعبير عن آرائهم.

لكنني أتساءل عن مسؤولية المؤسسات تجاه الخطابات التي قد تشجع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على ازدراء المختلفين أو التسرع في تكفيرهم.

فعندما يتعلم طفل أن يحكم بالكفر على شخص لمجرد أنه شاهد مقطع فيديو، ألا يستحق ذلك أن نتوقف عنده؟ ألا ينبغي أن نعلم الأجيال الجديدة الفرق بين الاختلاف العقدي والحكم على الأفراد، وبين النقد المشروع والتحريض، وبين القناعة الشخصية والمعرفة المثبتة؟

لا أزعم أن كل خطاب ديني حاد يؤدي إلى التطرف، ولا أن كل شخص ينتقد الروحانيات يمارس الإقصاء. لكنني أرى أن تطبيع إصدار الأحكام الدينية على الناس، وتقديم الاختلاف الفكري باعتباره تهديدًا يجب استئصاله، يهيئ بيئة خصبة للتعصب والعداء.

ولهذا فإن مواجهة ثقافة التكفير لا تعني محاربة الدين، بل حماية المجتمع من التعصب، وحماية الحوار الديني نفسه من التحول إلى أداة للإقصاء.


بين الشك العلمي واليقين الأيديولوجي

هناك مفارقة تستحق التأمل. حين أتحدث عن تجارب الخروج من الجسد، أقبل أن يناقشني شخص من منظور علم الأعصاب، أو علم النفس، أو فلسفة العقل.

وأقبل أن يقول لي إن هذه التجارب قد ترتبط بآليات عصبية معقدة، أو أن الأدلة الحالية لا تكفي لإثبات انفصال الوعي عن الدماغ. هذه اعتراضات مشروعة، بل ضرورية.

فالتجارب الشخصية، مهما بلغت قوتها وتأثيرها في أصحابها، لا تكفي وحدها لإثبات التفسيرات الميتافيزيقية المرتبطة بها. لكنني أطلب المعاملة المعرفية نفسها ممن يقدمون التفسيرات الدينية.

إذا قلت إن الظاهرة عصبية، فعليك تقديم أدلتك. وإذا قلت إنها انفصال حقيقي للوعي عن الجسد، فعليك تقديم أدلتك. وإذا قلت إنها تلبس شيطاني، فعليك أيضًا توضيح الأساس الذي تستند إليه، وعدم تقديم الاعتقاد باعتباره إثباتًا تجريبيًا.

لا ينبغي أن تكون معايير الإثبات صارمة عندما نتحدث عن أفكار الآخرين، ثم تختفي فجأة عندما نتحدث عن معتقداتنا الخاصة.

فالحقيقة لا تحتاج إلى التخويف من الأسئلة، والعلم لا يتقدم بتجريم الفضول، والإيمان لا ينبغي أن يكون عذرًا لإغلاق أبواب التفكير.


كلمة أخيرة إلى هيثم طلعت وأمثاله

أنا لا أطالبك بأن تؤمن بتجارب الخروج من الجسد، ولا أن تتبنى أفكاري حول الوعي، ولا أن توافق على أي تفسير روحاني. لك كامل الحق في الاعتراض والنقد، كما لي الحق في البحث والتساؤل ومناقشة ما تطرحه.

لكنني أتمنى أن يكون الخلاف بيننا خلافًا حول الأدلة والأفكار، لا حول قيمة الأشخاص أو إيمانهم.

إذا كنت تعتقد أن تجارب الخروج من الجسد أوهام عصبية، فلنناقش التفسيرات العلمية. وإذا كنت تعتقد أنها ظواهر شيطانية، فلنناقش الأسس التي بنيت عليها هذا الاعتقاد. وإذا كنت ترى أن بعض الممارسات الروحانية تخالف العقيدة الإسلامية، فمن حقك بيان موقفك الديني منها.

لكن لا تجعل من الاختلاف مبررًا لإقصاء الإنسان أو التشكيك في إيمانه.

وأتمنى أن تصل هذه الرسالة أيضًا إلى المتابعين، خصوصًا الشباب الذين يتلقون المحتوى الديني عبر المقاطع القصيرة. لا تجعلوا من أي متحدث، مهما بلغت ثقافته أو شهرته، سلطة نهائية تصادر قدرتكم على التفكير.

استمعوا، واقرؤوا، واسألوا، وناقشوا، وتحققوا. ولا تسمحوا لأحد أن يحول اختلافكم مع إنسان إلى مبرر للكراهية أو إصدار الأحكام على عقيدته.

لقد بدأت رحلتي مع تجارب الخروج من الجسد طفلًا يبحث عن إجابات لأسئلة لم يكن يعرف حتى كيف يصوغها. وبعد كل هذه السنوات، ما زلت أبحث.

قد أكون مخطئًا في بعض استنتاجاتي، وقد أراجع أفكاري كلما ظهرت أدلة جديدة. وهذا بالنسبة إلي ليس ضعفًا، بل جزء من الأمانة الفكرية.

لكن الشيء الذي لا أستطيع قبوله هو أن يتحول البحث الصادق عن المعرفة إلى تهمة، وأن يصبح الاختلاف سببًا لتكفير الآخرين.

لسنا بحاجة إلى مجتمع يتفق فيه الجميع على تفسير واحد للحقيقة، بل إلى مجتمع يستطيع فيه المختلفون البحث عنها دون خوف.

فناقشوا أفكارنا كما تشاؤون، وانتقدوا استنتاجاتنا بكل ما لديكم من أدلة، لكن اتركوا إيمان الناس وضمائرهم خارج معارككم الفكرية.

فمن يملك الحجة لا يحتاج إلى التكفير، ومن يبحث عن الحقيقة لا ينبغي أن يخشى الحوار.


محمد العمصي — باحث في الوعي ومؤسس أكاديمية مايندسكيب.

 
 
 

2 تعليقان

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
الضيف
منذ 3 ساعات
تم التقييم بـ 5 من أصل 5 نجوم.

اتفق معك بطريقة التفكير

إعجاب

عمرو
منذ 18 ساعات

هل انت تختلف مع اميره المغربيه

عندما قلت


يمكنني أن أختلف مع أميرة المغربي، أو مع أي شخص يقدم أطروحات حول الطاقة والروحانيات

إعجاب
bottom of page