top of page

الإرادة التنظيمية: حين لا تكون القوة في الدفع بل في الاتجاه

  • صورة الكاتب: المدرب محمد العمصي
    المدرب محمد العمصي
  • قبل 7 ساعات
  • 2 دقيقة قراءة

كثيرًا ما نفهم الإرادة بوصفها قدرة على الضغط: أن نجبر أنفسنا على فعل شيء، أن نقاوم التعب، أن نكسر العادة، أو أن نندفع نحو هدف مهما كان الثمن. هذا الفهم شائع، لكنه محدود. فالإرادة ليست دائمًا قوة دفع مباشرة، بل قد تكون في أعمق مستوياتها قدرة على التنظيم: تنظيم الانتباه، الرغبة، الخوف، المعنى، والسلوك داخل اتجاه أكثر اتساقًا.


الإنسان لا يعاني فقط لأنه يفتقر إلى القوة، بل لأنه غالبًا ممزق بين اتجاهات داخلية متعارضة. جزء منه يريد الهدوء، وجزء يطارد الإثارة. جزء يريد الصدق، وجزء يخاف خسارة القبول. جزء يسعى للنمو، وجزء يتشبث بصورة قديمة عن الذات. في هذا التمزق، لا تكون المشكلة ضعف الإرادة بالضرورة، بل غياب مركز تنظيمي واضح.


من هنا يمكن الحديث عن الإرادة التنظيمية: تلك القدرة العميقة على إعادة ترتيب الداخل بدل مجرد قمعه. الإرادة الناضجة لا تقول للرغبات: اختفي. ولا تقول للخوف: أنت غير موجود. بل تسأل: ما موقع كل قوة داخلية؟ ما الذي ينبغي أن يقود؟ وما الذي يجب أن يُسمع دون أن يتحكم؟ بهذا المعنى، الإرادة ليست حربًا على النفس، بل إدارة واعية لطاقاتها.


حين ننظر إلى الوعي كحقل، تصبح الإرادة أشبه بمحور اتجاه داخل هذا الحقل. ليست شيئًا منفصلًا عن الوعي، بل نمطًا من أنماط تنظيمه. فعندما يكون الإنسان مشتتًا، يتحرك وعيه كدوامات متفرقة: فكرة تجذبه، خوف يدفعه، ذكرى تعيده، رغبة تشتته. أما حين تنشط الإرادة التنظيمية، فإن هذه الدوامات لا تختفي، لكنها تبدأ بالدوران حول مركز أكثر وضوحًا.


وهذا يفسر لماذا لا تنجح بعض محاولات التغيير رغم صدق النية. فالشخص قد يريد أن يتغير، لكنه يستخدم إرادة قسرية: ضغط، جلد للذات، توقع نتائج فورية. وحين يفشل، يظن أن المشكلة في ضعفه. بينما قد تكون المشكلة في النموذج نفسه. فالتغيير العميق يحتاج إلى حلقات صغيرة من الملاحظة والتعديل، لا إلى قرار درامي واحد.


الإرادة التنظيمية تعمل بهدوء. تبدأ من سؤال بسيط: ما الحالة التي أريد أن أعيش منها؟ لا ما الصورة التي أريد أن أبدو عليها. ثم تنتقل إلى الملاحظة: ما الذي يسحبني بعيدًا عن هذه الحالة؟ وبعدها يأتي التصحيح: خطوة صغيرة، عادة محددة، مراجعة تفسير، تهدئة انفعال، أو اختيار أكثر صدقًا.


في التجارب الوعيّة العميقة، تظهر أهمية هذا النوع من الإرادة بوضوح. فالدخول إلى التأمل، أو العمل الطاقي، أو التجارب خارج-فيزيائية لا يحتاج فقط إلى رغبة قوية، بل إلى اتزان. من يطارد التجربة قد يبتعد عنها، ومن يحاول فرض السكون قد يزيد الضجيج. الإرادة هنا لا تفتح الباب بالقوة، بل تهيئ الشروط: انتباه مستقر، جسد هادئ، نية واضحة، وتواضع أمام المجهول.


ربما تكون الإرادة، في صورتها الأعمق، ليست أن ننتصر على الحياة، بل أن نصبح أكثر قدرة على الاصطفاف معها بوعي. أن نعرف متى ندفع، ومتى نترك. متى نختار، ومتى نص


السائر بين العوالم ( النسخة المحدثة والموسعة)
$14.99
شراء الآن

غي. ومتى تكون القوة الحقيقية ليست في السيطرة، بل في القدرة على العودة إلى المركز كلما تفرقت الدوامات داخلنا.

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page