top of page

من أنا؟ الهوية بوصفها دوّامة لا قناعًا ثابتًا

  • صورة الكاتب: المدرب محمد العمصي
    المدرب محمد العمصي
  • قبل 9 ساعات
  • 2 دقيقة قراءة

من أكثر الأسئلة التي تبدو بسيطة لكنها لا تنتهي: من أنا؟

غالبًا ما نجيب بسرعة: أنا اسمي، مهنتي، جنسيتي، تاريخي، ذكرياتي، علاقاتي، معتقداتي. لكن كل هذه العناصر قابلة للتغير. قد يغيّر الإنسان عمله، يفقد علاقة، يراجع معتقدًا، ينتقل إلى بلد جديد، أو يمرّ بتجربة عميقة تجعله يرى نفسه بصورة مختلفة تمامًا. فإذا كانت كل هذه الطبقات تتغير، فأين تقع الهوية فعلًا؟


الخطأ الشائع هو أن نتعامل مع الهوية كشيء صلب؛ كتمثال داخلي يجب أن نحافظ عليه كما هو. لكن التجربة تكشف أن الذات ليست جسمًا نفسيًا ثابتًا، بل حركة مستمرة من التنظيم. نحن لا نكون أنفسنا مرة واحدة وإلى الأبد، بل نعيد بناء الإحساس بالذات عبر الذاكرة، الاختيار، المعنى، والعلاقة مع العالم.


من هنا يمكن النظر إلى الهوية كـ دوّامة وجودية. الدوّامة ليست شيئًا منفصلًا عن الماء، لكنها نمط واضح داخل حركته. لها شكل يمكن تمييزه، لكنها لا تتوقف عن الحركة. كذلك الإنسان: ليس جوهرًا جامدًا منفصلًا عن الحياة، ولا مجرد فوضى من الانفعالات، بل نمط متماسك داخل حقل أوسع من التجربة والوعي.


هذا الفهم يحررنا من وهمين متقابلين. الوهم الأول أن الهوية ثابتة تمامًا، وأن أي تغير عميق هو تهديد. والوهم الثاني أن الذات وهم كامل لا معنى له. بينهما يوجد تصور أكثر اتزانًا: الهوية حقيقية بوصفها نمطًا، لا بوصفها حجرًا. إنها طريقة انتظام الوعي حول مركز معين من الذاكرة، الإرادة، القيم، والاتجاه.


حين يمر الإنسان بأزمة وجودية، قد يشعر أن هويته تتفكك. ما كان يمنحه معنى لم يعد كافيًا، والصورة القديمة عن الذات لم تعد تصلح. هذه اللحظة قد تكون مؤلمة، لكنها ليست بالضرورة انهيارًا نهائيًا. أحيانًا تكون بداية إعادة تنظيم. فالدوّامة القديمة تفقد تماسكها، لا لكي يختفي الإنسان، بل لكي يظهر نمط أصدق وأكثر نضجًا.


وهنا تظهر أهمية التمييز بين التجربة والتفسير. قد يشعر الإنسان بأنه “ضائع”، لكن هذا لا يعني أنه بلا ذات. ربما يعني فقط أن النموذج القديم للذات لم يعد قادرًا على احتواء وعيه الحالي. وقد يشعر بأنه تغيّر جذريًا بعد تجربة وعيّة أو خارج-فيزيائية، لكن عليه أن يتأنّى: ما الذي تغيّر فعلًا؟ الإحساس؟ المعنى؟ القيم؟ أم مجرد تفسير مؤقت للتجربة؟


الهوية الناضجة لا تقوم على التمسك الأعمى بصورة ثابتة، ولا على الذوبان الكامل في كل تجربة جديدة. إنها قدرة على البقاء متصلًا بالمركز مع السماح للأطراف أن تتغير. أن أراجع أفكاري دون أن أفقد كرامتي. أن أعترف بخطئي دون أن أنهار. أن أتطور دون أن أتحول إلى شخص يهرب من تاريخه.


بهذا المعنى، معرفة الذات ليست بحثًا عن تعريف نهائي، بل تدريب مستمر على الإصغاء إلى نمطنا الداخلي: ما الذي يتكرر؟ ما الذي ينادينا؟ ما الذي يفقد اتساقه؟ وما الذي يريد أن يولد فينا؟


ربما لا تكون الإجابة عن “من أنا؟” جملة واحدة، بل مسارًا. وال


السائر بين العوالم ( النسخة المحدثة والموسعة)
$14.99
شراء الآن

إنسان الواعي ليس من يمتلك تعريفًا مغلقًا عن نفسه، بل من يستطيع أن يظل صادقًا وهو يتغير.

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page