هل تجارب الخروج من الجسد مجرد هلوسات؟
- المدرب محمد العمصي

- 24 أغسطس 2023
- 6 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 27 مايو
يجادل بعض المتشككين بأن تجارب الخروج من الجسد ليست سوى شكل من أشكال الهلوسة، ويرفضونها باعتبارها أوهامًا ذاتية ناتجة عن اضطرابات في الدماغ أو تغيرات في حالة الوعي. غير أن هذا الطرح يتجاهل التعقيد الكبير لهذه التجارب، كما يتغافل عن الخصائص المميزة التي تجعلها مختلفة نوعيًا عن الهلوسات التقليدية. يهدف هذا القسم إلى تحليل الأسباب التي تدفع البعض إلى مساواة تجارب الخروج من الجسد بالهلوسة، ثم توضيح الفروقات الجوهرية التي تدعم استقلال هذه الظاهرة وتميزها.
تُعرَّف الهلوسة عادة بأنها تجربة إدراكية تحدث في غياب محفّز خارجي حقيقي، وقد تبدو في ظاهرها مشابهة لبعض عناصر تجارب الخروج من الجسد. ومن هنا ينطلق التفسير الاختزالي الذي يفترض أن الظاهرتين تنتميان إلى الفئة نفسها لمجرد اشتراكهما في تغير حالة الوعي. إلا أن هذا التبسيط يهمل الفروق البنيوية والكيفية بين التجربتين، ويتعامل معهما كما لو كانتا ظاهرة واحدة ذات تعبيرات مختلفة، وهو استنتاج لا تدعمه المعطيات بشكل كافٍ.
في الواقع، تُعدّ تجارب الخروج من الجسد والهلوسات ظاهرتين مختلفتين، رغم وجود بعض التداخلات السطحية بينهما، وقد تحدثان أحيانًا بشكل متزامن دون أن يعني ذلك وجود علاقة سببية مباشرة بينهما[1]. كما توجد اختلافات مهمة بين الظاهرتين من حيث الآلية، والبنية الإدراكية، والطبيعة الذاتية للتجربة[2].
فتجارب الخروج من الجسد (Out-of-body experiences) هي حالات يشعر فيها الفرد بأن وعيه أو مركز إدراكه أصبح خارج الجسد الفيزيائي، مع الإحساس بالقدرة على مراقبة البيئة من منظور منفصل عن الجسد[3]. أما الهلوسات (Hallucinations)، فهي إدراكات حسية تحدث دون وجود مثير خارجي فعلي، ويمكن أن تشمل مختلف الحواس، مثل السمع أو البصر أو اللمس أو الشم أو التذوق، وقد تبدو حقيقية للغاية رغم افتقارها إلى أساس واقعي مباشر[4]. ويمكن أن تنشأ الهلوسات نتيجة عوامل متعددة، مثل الحرمان من النوم، أو الاضطرابات النفسية، أو تعاطي المواد المخدرة، أو بعض الحالات العصبية والطبية[5].
ورغم أن تجارب الخروج من الجسد قد تتضمن أحيانًا إدراكات حسية غير اعتيادية، مثل رؤية أو سماع أشياء لا توجد ماديًا في البيئة المباشرة، فإنها تختلف عن الهلوسات في بنيتها العامة وخصائصها الأساسية. فالتجربة لا تتمثل فقط في محتوى إدراكي غريب، بل في إحساس واضح بالانفصال عن الجسد، مصحوب بدرجة مرتفعة من الوعي والتنظيم والإدراك الذاتي.
فعلى سبيل المثال، يتفق عدد كبير من الأشخاص الذين مرّوا بتجارب خروج من الجسد — خصوصًا أثناء تجارب الاقتراب من الموت — على أن هذه الخبرات تختلف جذريًا عن الأحلام أو الهلوسات، ويصفونها بأنها شديدة الوضوح والواقعية[6]. وعلى النقيض من ذلك، فإن الأشخاص الذين يتعرضون لهلوسات ناتجة عن مواد مثل الكيتامين (Ketamine) غالبًا ما يدركون الطبيعة الوهمية أو المشوشة لتجاربهم[7][8].
كما لاحظت الدكتورة بيني سارتوري (Dr. Penny Sartori)، خلال دراستها الممتدة لخمس سنوات حول تجارب الاقتراب من الموت، أن المرضى الذين مروا بهلوسات في أوقات منفصلة عن تجارب الاقتراب من الموت كانوا قادرين على التمييز بوضوح بين النوعين من الخبرات. فقد وصفوا الهلوسات بأنها عشوائية وغريبة وغير مترابطة، بينما وصفوا تجارب الاقتراب من الموت بأنها منظمة وواضحة وتحمل إحساسًا قويًا بالواقعية[9].
كذلك تختلف التأثيرات النفسية طويلة المدى بين الظاهرتين بشكل واضح. ففي الأحلام أو الهلوسات، يميل الشخص بعد انتهاء التجربة إلى اعتبارها أوهامًا أو حالات ذهنية عابرة، بينما تُحدث تجارب الخروج من الجسد — خصوصًا المرتبطة بالاقتراب من الموت — تغيرات عميقة ودائمة في نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الحياة والموت[10].
فعندما قام الباحثون بمراجعة الأدبيات الطبية المتعلقة بهذه التجارب، وجدوا أن 81% من الأشخاص الذين مروا بها اعتقدوا أن وعيهم انفصل فعلًا عن أجسادهم، بينما أصبح 82% منهم مقتنعين باستمرار الوعي بعد الموت[11]. كما أظهرت دراسات أخرى انخفاضًا ملحوظًا في الخوف من الموت لدى هؤلاء الأشخاص[12]. ومن الصعب مقارنة هذه التأثيرات التحويلية العميقة بما تتركه الأحلام أو الهلوسات الاعتيادية.
ويذهب بعض المشككين إلى أن تجارب الخروج من الجسد، خصوصًا أثناء الاقتراب من الموت، قد تكون ناتجة عن إفراز الدماغ لمواد كيميائية مهلوسة بهدف التخفيف من رعب الموت. إلا أن هذه الفرضية لا تحظى بدعم تجريبي قوي. فقد أشار ديفيد نيكولز (David E. Nichols) إلى أن الغدة الصنوبرية تحتاج — نظريًا — إلى إنتاج نحو 25 ملغ من مادة DMT لإحداث تجربة هلوسية قوية، وهو أمر لا يوجد دليل على حدوثه بيولوجيًا، خاصة أن الغدة الصنوبرية صغيرة جدًا وتنتج كميات ضئيلة للغاية من الميلاتونين يوميًا[13][14].
كما أن نشاط الدماغ، بحسب المعطيات الحالية، ينخفض بسرعة عند الاقتراب من الموت، بدل أن يرتفع بطريقة تدعم إنتاج حالات هلوسية معقدة[14]. وطرحت أيضًا فرضيات أخرى تربط هذه التجارب بالأدوية أو بالإندورفينات التي يفرزها الجسم تحت الضغط[15]. غير أن سارتوري لاحظت وجود فروق واضحة بين المرضى الذين تلقوا أدوية مهلوسة وأبلغوا عن هلوسات مشوشة وغريبة، وبين المرضى الذين وصفوا تجارب اقتراب من الموت واضحة ومنظمة. كما أن نسبة من المرضى الذين أبلغوا عن تجارب اقتراب من الموت لم يكونوا قد تلقوا أي أدوية مخدرة أصلًا[16].
ومن الملاحظ أيضًا أن تجارب الخروج من الجسد ليست مرتبطة بثقافة أو دين أو نظام معتقد محدد، بل تم توثيقها عبر ثقافات وفترات تاريخية مختلفة[17]. هذه العالمية تثير تساؤلات مهمة حول كفاية التفسيرات النفسية أو العصبية البحتة، وتشير إلى أن الظاهرة قد تعكس جانبًا أعمق من التجربة الإنسانية.
إضافة إلى ذلك، فإن بعض الحالات التي درسها الباحثون تضمنت إدراكات أو معلومات أمكن التحقق منها لاحقًا، وهو ما يتعارض مع التعريف التقليدي للهلوسة بوصفها إدراكًا غير مطابق للواقع الموضوعي[18]. ورغم أن هذه الحالات لا تشكّل دليلًا قاطعًا على تفسير معين، فإنها تطرح تحديات جدية أمام الاختزال الكامل لهذه الظواهر إلى مجرد هلوسات دماغية.
وبناءً على ما سبق، فإن مساواة تجارب الخروج من الجسد بالهلوسة تمثل تبسيطًا مفرطًا لظواهر أكثر تعقيدًا وتنوعًا. فرغم أن كلتا الظاهرتين تتضمنان تغيرًا في الوعي، إلا أن الفروق بينهما تمتد إلى طبيعة الإدراك، ودرجة التنظيم، والإحساس بالواقعية، والآثار النفسية طويلة المدى، وإمكانية التحقق من بعض عناصر التجربة.
فالهلوسات غالبًا ما تتسم بالعشوائية والتشوش وغياب البنية المستقرة، بينما تتميز تجارب الخروج من الجسد بإحساس واضح بالانفصال عن الجسد، وبنية إدراكية أكثر تماسكًا، ودرجة عالية من الوضوح والإدراك الذاتي. كما أن الأشخاص الذين يمرون بهذه التجارب يكونون — في كثير من الأحيان — واعين تمامًا للفارق بينها وبين الأحلام أو الهلوسات.
إضافة إلى ذلك، فإن تجارب الخروج من الجسد قد تحدث بصورة عفوية أو من خلال ممارسات مثل التأمل أو الحالات الانتقالية بين النوم واليقظة، بينما ترتبط الهلوسات عادة بعوامل مرضية أو دوائية أو عصبية. كما أن التأثيرات العميقة والدائمة التي تتركها هذه التجارب على رؤية الإنسان للحياة والموت والوعي تختلف جذريًا عن التأثيرات المحدودة للهلوسات التقليدية.
إن وجود هذه الفروقات النوعية، إلى جانب بعض الحالات التي تتضمن إدراكات قابلة للتحقق، والانتشار الواسع للظاهرة عبر الثقافات، كلها عوامل تتحدى الطرح الاختزالي الذي يساوي بين تجارب الخروج من الجسد والهلوسة. وهذا لا يعني بالضرورة تبني تفسير ميتافيزيقي نهائي لهذه الخبرات، لكنه يشير إلى الحاجة للتعامل معها بجدية أكبر، وفتح المجال أمام نماذج بحثية أكثر اتساعًا لفهم طبيعة الوعي والعلاقة بين العقل والجسد والتجربة الإنسانية.
[1] Tart, C. T. (2009). The end of materialism: How evidence of the paranormal is bringing science and spirituality together. Oakland, CA: New Harbinger Publications. [2] Olaf Blanke, Christine Mohr,Out-of-body experience, heautoscopy, and autoscopic hallucination of neurological origin: Implications for neurocognitive mechanisms of corporeal awareness and self-consciousness,Brain Research Reviews,Volume 50, Issue 1,2005,Pages 184-199,ISSN 0165-0173,https://doi.org/10.1016/j.brainresrev.2005.05.008. [3] Sellers J. A brief review of studies of out-of-body experiences in both the healthy and pathological populations. Journal of Cognitive Science. 2018;19(4):471–491. [4] Telles-Correia, D., Moreira, A. L., & Gonçalves, J. S. (2015). Hallucinations and related concepts-their conceptual background. Frontiers in psychology, 6, 991. https://doi.org/10.3389/fpsyg.2015.00991 [5] Fowler, P. (2015). Hallucinations. In webmd. Retrieved August 5, 2021, from https://www.webmd.com/schizophrenia/what-are-hallucinations [6] Khanna, S., & Greyson, B. (2014). Daily spiritual experiences before and after near-death experiences. Psychology of Religion and Spirituality, 6(4), 302-309. https://dol.org/10.1037/a0037258 [7] الكيتامين هو دواء تم تطويره في الأصل كمخدر للاستخدام الطبي والبيطري. وهو معروف بخصائصه الانفصالية، مما يعني أنه يمكن أن يخلق إحساسًا بالانفصال عن المحيط والجسد. [8] Fenwick, P. Is the Near-Death Experience Only N-Methyl-D-Aspartate Blocking?. Joumal of Near-Death Studies 16,43-53 (1997), https://dol.org/10.1023/A:1025059210388 [9] Sartori, P. (2014). Wisdom of Near-Death experiences: How Understanding NDEs Can Help Us Live More Fully. Watkins Media Limited.p136-139 [10] van Lommel, P (201 1). Near-death experiences: The experience of the self as real and not as an Illusion. Annals of the New York Academy of Sciences, 1234, 19-28. dol: 10. 1 1 1 1/. 1749-6632.201 1.06080.x [11] Kelly, E. F. (2007). Irreducible mind: Toward a Psychology for the 21st Century ; with CD Containing F.W.H. Myers’s Hard-to-find Classic Two-volume Human Personality (1903) and Selected Contemporary Reviews.p367-421 [12] Lommel, Pin Van, et al. "Near-Death Experience in Survivors of Cardiac Arrest: a Prospective Study in the Netherlands." The Lancet, vol. 358, no, 9298, 2001, pp. 2039-2045., dol:10.1016/0140-6736(01)07100-8. [13] الدي ام تي (DMT) (ثنائي ميثيل تريبتامين) هو مركب مخدر قوي يوجد بشكل طبيعي في النباتات والحيوانات، وهو معروف بإحداث تجارب هلوسة مكثفة وقصيرة الأمد. [14] No Reason to Believe the Pineal Gland Allers Consclousness by Secreting DMI, Psychedelic Researcher Says.* PsyPost, 12 Feb. 2020, www.psypost.org/2018/01/no-reason-believe-pineal-gland-alters-consciousness-secreting-dimt-psychedelic-researcher-says-50609. [15] الإندورفينات (endorphins) هي مركبات كيميائية طبيعية في الجسم تعمل كمهدئات طبيعية، تُفرز أثناء التمرين البدني أو الألم وتؤثر على المزاج والشعور بالراحة. [16] Oyama T, Jin T, Yamaya R, Ling N, Guillemin R. Profound analgesic effects of beta-endorphin in man. Lancet. 1980 Jan 19;1(8160):122-4. doi: 10.1016/s0140-6736(80)90606-6. PMID: 6101459. [17] Sheils, Dean. (1978). A cross-cultural study of beliefs in out-of-the-body experiences, waking and sleeping. Journal of the Society for Psychical Research. 49. 697-741. [18] S. Paria, et al. AWARE - AWAreness during REsuscitation - a prospective study Resuscitation, 86 (2014), pp. 1799-1805



تعليقات