
التطرف ودور عمال النور في محاربة التكفيريين الجدد
بقلم محمد العمصي
ما زلت أتذكر ذلك الطفل الذي أرسل إليّ ليخبرني أنني كافر. بدا لي أنه لم يتجاوز الثالثة عشرة. سألته لماذا، فقال إنه شاهد مقطعًا لهيثم طلعت. استوقفني كيف وصل طفل في هذه السن إلى إصدار حكم بهذه الخطورة، وكيف استند في تفسيره إلى مقطع شاهده.
ذكرت هذه القصة في مقالتي السابقة عن هيثم طلعت وثقافة التكفير. وأعود إليها الآن بعد الاعتداء على كنيسة حمود في الكرك، لأن السؤال الذي أثارته في نفسي لم يعد يحتمل أن نتعامل معه كخلاف عابر على الإنترنت: ماذا نعلّم أبناءنا عن الإنسان الذي يختلف معنا؟ وكيف ننتظر منهم احترامه إذا كان معظم ما يسمعونه عنه يدعو إلى الخوف منه والشك في نواياه؟
لا أقول إن هيثم طلعت أو غيره مسؤول عن هذا الاعتداء، ولا أملك دليلًا يربطه به. الحديث هنا عن ثقافة أرى أنها تستحق المواجهة، لا عن تحديد الجناة أو استباق التحقيق. والمسافة بين رسالة طفل وجريمة قتل كبيرة، لكن ذلك لا يجعل ما تعلمه الطفل أمرًا بسيطًا يمكن تجاهله.
من هم عمال النور، وما دورهم في مواجهة التطرف؟
بالنسبة إلي، هذا هو المكان الذي ينبغي أن يظهر فيه دور عمال النور. كثيرًا ما نتحدث عن الوعي، وعن الرحمة، وعن أثر الإنسان فيمن حوله. لكن ماذا نفعل بهذه الأفكار عندما نرى الكراهية تنتشر؟ هل نكتفي بالحديث إلى من يتفقون معنا، ونترك بقية الناس لمن يخوّفونهم من كل سؤال ومن كل تجربة لا يعرفون كيف يفسرونها؟
أقصد بعمال النور هنا الأشخاص الذين يحملون همّ مساعدة الإنسان على فهم نفسه، والتحرر من الخوف والتعصب، والتعامل مع الآخرين بقدر أكبر من الرحمة. لا يشغلني كثيرًا إن كان الشخص يستخدم هذه التسمية أو لا يستخدمها. ما يشغلني هو أثره. قد يتحدث أحدهم عن الحب طوال اليوم، ثم يعجز عن احتمال تعليق يخالفه. وقد تجد شخصًا لا يعرف شيئًا عن الروحانيات، لكنه يدافع عن مظلوم لا يعرفه. هذا الأخير أقرب إلى المعنى الذي أريده.
حين يتحول الاختلاف إلى خطاب تكفير
المشكلة التي أراها لدى بعض منكري الطاقة وأعداء الوعي تتجاوز رفض أفكارنا. الرفض حقهم، والاعتراض على الأدلة حقهم أيضًا. وأنا نفسي لا أوافق على كل ما يقال باسم الطاقة أو الروحانيات. لكنني لا أفهم لماذا يتحول النقاش عند البعض بهذه السرعة إلى حديث عن عقيدة الأشخاص، وعن ضلالهم، وعن وجوب التحذير منهم، كأن مجرد الاستماع إليهم خطر.
بدأت تجاربي مع الخروج من الجسد قبل أن أعرف لها اسمًا. ثم حاولت أن أفهمها، وقرأت وبحثت وناقشت تفسيرات مختلفة. قد يختلف أحد معي في كل ما وصلت إليه، وهذا لا يزعجني بقدر ما يزعجني أن يختصر رحلتي كلها في تهمة. حين تفعل ذلك، فأنت لا تساعدني على مراجعة أفكاري. أنت تقول للناس إنهم لا يحتاجون إلى سماعي أصلًا.
وهذا ما أعنيه بالتكفيريين الجدد: ذلك الخطاب الذي يضع نفسه حارسًا على ضمائر الناس، ويمنح المتابع شعورًا بأنه يستطيع الحكم على إيمان إنسان من مقطع قصير. لا يحتاج هذا الخطاب إلى سلاح كي يؤذي. يكفي أحيانًا أن يجعل الإهانة مقبولة، وأن يحوّل التشفي إلى شيء يضحك عليه الجمهور بدل أن يستنكره.
لا يتحول كل من يسمع هذا الكلام إلى شخص عنيف، بالطبع. لكن اعتياد احتقار المختلف قد يجعل التعاطف معه أصعب. وعندما يصبح الإنسان في أعيننا مجرد تسمية نكرهها، ننسى بسهولة أنه أب أو أم أو ابن، وأن له حياة يخاف عليها كما نخاف على حياتنا. لهذا لا أقتنع بأن مسؤوليتنا تبدأ فقط عندما يقع الاعتداء، وتنتهي بكتابة منشور إدانة.
كيف نواجه الكراهية ونحمي حرية السؤال؟
أريد لعمال النور أن يكونوا حاضرين قبل ذلك. في حديثنا مع الشباب، وفي المحتوى الذي نصنعه، وفي الطريقة التي نرد بها على من يهاجموننا. علينا أن نعلّم الناس أن يسألوا: ما الدليل؟ هل سمعت كلام الشخص كاملًا؟ هل هذا ما قاله فعلًا أم ما قيل عنه؟ هذه أسئلة بسيطة، لكنها تعيد للمتلقي شيئًا من استقلاله بدل أن يبقى تابعًا لغضب صاحب المقطع.
وأريد أن نفتح حوارات حقيقية مع من يختلفون معنا. ليس كل ناقد عدوًا، وليس كل متدين متعصبًا. هناك أشخاص مستعدون للاستماع إذا وجدوا أمامهم من يستمع إليهم أيضًا. أما من يهدد أو يحرّض، فنواجه كلامه بوضوح، ونوثق التهديد ونبلغ عنه، دون أن نحوّل جمهورنا إلى حملة انتقام. لا أريد لأحد أن يتعرض للأذى باسمي، حتى لو كان قد أساء إليّ.
بعد مأساة كالتي وقعت في الأردن، يجب أن تكون إنسانية الضحايا هي ما يجمعنا. لا أحتاج إلى الاتفاق مع دين شخص لكي أحزن عليه، ولا أريد أن أحوّل حزنه إلى فرصة لإثبات أن مدرستي الفكرية أفضل من مدرسة أخرى. هناك عائلات فقدت أحباءها. أقل ما تستحقه منا أن نحترم ألمها، وألا نتداول صورها المؤذية أو نضيف إلى مأساتها شائعات وخصومات.
مسؤوليتنا تبدأ أيضًا بمراجعة أنفسنا
وفي الوقت نفسه، علينا نحن أن نقبل المراجعة. إذا بالغ مدرب في ادعاءاته، أو قدم وعودًا لا يستطيع إثباتها، فلا نحميه لأنه من جماعتنا. وإذا أخطأنا في معلومة، نصححها. الحديث عن الوعي لا يعفينا من الأمانة، ولا يجعل تجاربنا الشخصية دليلًا يلزم الآخرين. كما أن وصف أنفسنا بالمستيقظين لا يعطينا حق النظر إلى الناس من فوق.
هذه، في رأيي، هي المواجهة التي تستحق أن نخوضها. أن نساعد شخصًا على التخلص من خوف زرعه فيه خطاب متعصب. أن ندافع عن حق باحث في طرح سؤال. أن نقف إلى جانب مختلف يتعرض للتهديد، حتى لو لم نوافقه على شيء. وأن نتوقف نحن أيضًا عندما نكتشف أننا بدأنا نعامل خصومنا بالطريقة التي نرفضها منهم.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الأشخاص الذين يعدون الناس بالنور ثم يتركونهم وحدهم أمام الكراهية. نحتاج إلى من يتحملون مسؤولية ما يقولونه، ويجعلون الحياة حولهم أقل خوفًا. هذا ما أنتظره من عمال النور، وهذا ما أريد أن يكون عليه عملي: مساحة يستطيع فيها الإنسان أن يسأل ويفكر ويختلف، دون أن يخشى أن يتحول اختلافه إلى تهمة.
مصدر الحدث
وكالة الأنباء الأردنية بترا، ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦.
توضيح: حظر النشر في قضية كنيسة حمود لا يشمل الإدانة والنقاش العام، مع حماية التحقيق وكرامة الضحايا.


تعليقات