top of page

حقيقة الروحانية ومؤسسات الوعي الغربية

  • صورة الكاتب: المدرب محمد العمصي
    المدرب محمد العمصي
  • 19 يوليو
  • 7 دقيقة قراءة

العنصرية والتمييز ونقص التعاون الدولي في مجال تجارب الخروج من الجسد وعلوم الوعي


لا أكتب هذا الموضوع بدافع التشاؤم، ولا بهدف مهاجمة الغرب أو إنكار ما قدمه الباحثون والمؤلفون الغربيون في مجالات الروحانية وتجارب الخروج من الجسد ودراسة الوعي. لقد تعلمت شخصيًا من كثير من المناهج والكتب والمدارس الغربية، ودرست جانبًا كبيرًا من تاريخها ومصطلحاتها وأساليبها التدريبية. لكن الأمانة تقتضي أيضًا ألا نكتفي بالصورة المثالية التي تقدمها بعض هذه المؤسسات عن نفسها، وأن نتحدث بصراحة عن الجانب الآخر من التجربة: التمييز، والنظرة الدونية، وضعف التعاون الدولي، واحتكار المعرفة داخل دوائر جغرافية وثقافية محددة.

أريد هنا أن أنقل تجربتي الشخصية في محاولة بناء تعاون دولي في مجال تجارب الخروج من الجسد وأبحاث الوعي. وقد امتدت هذه المحاولات إلى جهات وأفراد في الولايات المتحدة والبرازيل وأستراليا، فضلًا عن مؤلفين ومدربين وباحثين ينتمون إلى بيئات غربية مختلفة.

مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ نمطًا متكررًا في طريقة تعامل بعض الأفراد والمؤسسات الغربية مع الباحثين والمنظمات القادمة من العالم العربي والإسلامي، وكذلك مع مناطق كالهند والصين. ولا أزعم أن كل مؤسسة غربية أو كل باحث غربي يتبنى هذه النظرة، لكن تكرار المواقف جعل من الصعب اعتبارها مجرد حوادث منفصلة.

 

 الروحانية العالمية التي تتوقف عند الحدود

تتحدث مؤسسات كثيرة في هذا المجال عن وحدة الوعي، وعالمية الروح، وتجاوز الحدود الدينية والقومية والعرقية. وفي الخطاب النظري، يبدو الإنسان كائنًا كونيًا لا تحده هوية أو لغة أو جغرافيا. لكن عند الانتقال من الخطاب إلى التعاون العملي، تتغير الصورة أحيانًا بصورة واضحة.

فعندما يأتي باحث أو مترجم أو مؤسسة من العالم العربي راغبة في ترجمة محتوى تدريبي، أو تنظيم تعاون علمي، أو تأسيس مركز معتمد، أو إجراء مقابلة جادة، تظهر الحواجز فجأة. يصبح الانفتاح محدودًا، والتواصل بطيئًا، والرفض غير مبرر، أو يتم قبول الجهد المجاني دون السماح بنشر نتائجه والاستفادة منه.

وهنا يظهر التناقض: كيف يمكن لمؤسسة تتحدث عن الوعي الكوني أن تتعامل مع المعرفة كما لو كانت ملكية ثقافية مغلقة؟ وكيف يمكن لشخص يتحدث عن تجاوز الأنا أن ينظر إلى شعوب بأكملها باعتبارها أقل استعدادًا للفهم أو أقل استحقاقًا للمشاركة؟

 

 تجربتي مع الترجمة والتعاون

بصفتي دارسًا للعديد من المناهج الغربية في هذا المجال، وبحكم امتلاكي رخصة معتمدة للعمل في الترجمة، حاولت التواصل مع عدد من المؤلفين والمؤسسات من أجل ترجمة برامجهم ومحتواهم إلى اللغة العربية.

تواصلت مع جهات مرتبطة بالأرواحية في الولايات المتحدة، وحاولت فتح قنوات تعاون مع مؤسسة مونرو، كما سعيت إلى التواصل في ما يتعلق بموقع ومنهج «أسترال داينمكس» المرتبط بأعمال روبرت بروس، إضافة إلى محاولاتي في بيئة الكونشينتولوجي في البرازيل، فضلًا عن مؤلفين ومدربين وأفراد من العالم الغربي.

لم تكن الفكرة أن أحصل على مواد مجانية أو أن أستولي على جهود الآخرين. كنت أطرح تعاونًا مهنيًا وترجمة قانونية ومنظمة تفتح لهذه المناهج بابًا إلى جمهور عربي واسع. ومع ذلك، كان النمط الغالب هو التجاهل، أو الرفض، أو عدم الرغبة في النقاش أصلًا.

وفي بعض الحالات، كما في الكونشينتولوجي، قُبلت الترجمة أو المراجعة، لكن دون السماح بالنشر أو إتاحة المحتوى للجمهور العربي بصورة حقيقية. وهكذا يتحول المترجم إلى شخص يقدم جهدًا ثقافيًا ولغويًا دون أن تكون هناك إرادة جادة لإيصال المعرفة إلى المنطقة التي ينتمي إليها.

كما واجهت تحفظًا واضحًا تجاه إجراء المقابلات، أو تأسيس شراكات، أو مناقشة إنشاء مراكز وبرامج في الشرق الأوسط والعالم العربي. لم يكن الرفض دائمًا صريحًا، لكنه ظهر في التجاهل، والتسويف، ووضع شروط غير متوازنة، أو التعامل مع المنطقة كما لو أنها غير مؤهلة مسبقًا.

 

 النظرة السوداوية إلى العالم الإسلامي والهند والصين

أعتقد أن جزءًا من المشكلة يعود إلى صورة ذهنية سلبية راسخة عن سكان هذه المناطق. فهناك من ينظر إلى العالم الإسلامي، والهند، والصين باعتبارها بيئات تهيمن عليها السلطة أو الدين أو الرقابة الاجتماعية، وأنها لا تسمح بحرية التفكير خارج الأطر التقليدية.

وقد يُستنتج من ذلك أن شعوب هذه المناطق متأخرة حضاريًا، أو غير قادرة على بناء مؤسسات مستقلة في مجال الوعي، أو عاجزة عن حماية الباحثين والممارسين من التضييق الديني أو السياسي.

بعض هذه المخاوف قد يكون مرتبطًا بوقائع حقيقية في دول معينة، ولا يصح إنكار وجود تحديات تتعلق بحرية التعبير والبحث في كثير من المجتمعات. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه المخاوف إلى حكم شامل على مليارات البشر، وحين يُفترض أن الباحث العربي أو الهندي أو الصيني أقل قدرة على التفكير النقدي أو التجربة أو الابتكار.

العالم الإسلامي ليس كتلة واحدة، والهند ليست مجرد صورة دينية نمطية، والصين ليست مجرد سلطة سياسية. داخل هذه المجتمعات باحثون ومفكرون ومترجمون وممارسون يمتلكون خبرات عميقة، كما توجد مؤسسات قادرة على العمل والتطور وبناء جمهور حقيقي.

 

 عقدة التفوق خلف الخطاب الروحي

المشكلة الثانية هي ما يمكن وصفه بعقدة التفوق الثقافي. فقد اكتشفت أن الحديث عن العالمية والكونية لا يعني بالضرورة التحرر من العنصرية أو المركزية الغربية.

بعض من يتحدثون عن الروحانية والتنوير في الغرب لا يختلفون كثيرًا، في تعاملاتهم العملية، عن أصحاب المشاريع التجارية التقليدية. قد يستخدمون لغة المحبة والوعي والتطور، لكن أهدافهم تبقى مرتبطة بالربح، وبناء العلامة الشخصية، والسيطرة على المحتوى، والبحث عن الأسواق التي تضمن لهم عائدًا سريعًا.

وعندما لا يرون في السوق العربية ربحًا مباشرًا، لا يهتمون بالترجمة أو الامتداد هناك. وعندما لا يفهمون طبيعة المجتمعات الإسلامية، يفترضون أنه لا يوجد طلب على كتبهم أو برامجهم. والأسوأ من ذلك أن بعضهم قد لا يعتقد أصلًا أن الأفراد في هذه المناطق قادرون على استيعاب المعرفة التي يقدمها.

هذه النظرة لا تُقال دائمًا بصراحة. نادرًا ما يكتب شخص: «أنا لا أثق بالعرب» أو «لا أعتقد أن المسلمين قادرون على فهم هذا المجال». لكنها تظهر في القرارات، وفي مستوى الاحترام، وفي رفض الشراكة، وفي عدم منح المؤسسات العربية الفرصة نفسها التي تُمنح لمؤسسات أوروبية أو أمريكية.


 الروحانية لا تلغي العنصرية تلقائيًا

هناك وهم شائع يقول إن الشخص الذي يمارس التأمل أو الخروج من الجسد أو العلاج بالطاقة يصبح تلقائيًا أكثر أخلاقًا وانفتاحًا. لكن التجربة تثبت أن الممارسة الروحية لا تمحو بالضرورة التحيزات الثقافية أو العرقية أو النفسية.

قد يختبر الإنسان حالات وعي غير عادية، ثم يعود ليتصرف بعقلية استعلائية. وقد يتحدث عن تجاوز الأنا، بينما يبني حول نفسه مؤسسة شديدة المركزية. وقد يؤمن بتعدد الحيوات، لكنه ينظر إلى شعوب العالم الحالي من خلال تصنيفات استعمارية قديمة.

الخبرة الروحية ليست شهادة أخلاقية. وتجربة الخروج من الجسد لا تعني أن صاحبها تحرر من العنصرية أو الجشع أو الحاجة إلى السيطرة. ولهذا يجب تقييم المؤسسات والأفراد من خلال سلوكهم الواقعي، لا من خلال المصطلحات التي يستخدمونها.

 

مشكلة الاعتماد الكامل على المعرفة المستوردة

هذه التجارب أقنعتني بأننا لن نتفوق في مجال علوم الوعي إذا ظل دورنا مقتصرًا على انتظار ما يسمح الغرب بترجمته، أو استيراد مناهجه، أو طلب الاعتراف من مؤسساته.

الترجمة مهمة، والتبادل المعرفي ضروري، والاستفادة من التجارب الغربية أمر لا ينبغي رفضه. لكن الترجمة وحدها لا تصنع حضارة، والامتداد لفكر الآخرين لا يصنع استقلالًا معرفيًا.

إذا ظلت مؤسساتنا مجرد فروع لمناهج غربية، فسنبقى خاضعين لموافقتهم، ومصطلحاتهم، وحدودهم، وصراعاتهم الداخلية. وسيظل الباحث العربي مضطرًا إلى إثبات نفسه أمام شخص قد لا يعرف شيئًا عن تاريخه أو ثقافته أو خبرته.

لذلك نحتاج إلى الانتقال من مرحلة الاستيراد إلى مرحلة الإنتاج. نحتاج إلى بناء مناهجنا ومصطلحاتنا ومؤسساتنا وأبحاثنا، مع الانفتاح على كل ما هو مفيد من الشرق والغرب، لكن دون تبعية.

لدينا تاريخ معرفي وروحي عميق، العالم العربي والإسلامي ليس أرضًا خالية تنتظر أن تُملأ بالمعرفة الغربية. لدينا تاريخ طويل من الفلسفة، والطب، والفلك، وعلم النفس الروحي، والتصوف، والعرفان، ودراسة النفس والخيال والرؤى والأحلام وحالات الوعي.

وقد ناقش فلاسفة ومتصوفة مسلمون قضايا النفس والروح والعقل والإدراك والوجود قبل ظهور كثير من المؤسسات الغربية المعاصرة بقرون. بالطبع لا يعني ذلك أن كل ما في التراث صحيح، أو أنه يغنينا عن العلم الحديث والتجربة النقدية. لكنه يعني أن لدينا قاعدة معرفية وثقافية يمكن تطويرها، بدل البدء دائمًا من موقع التلميذ الذي ينتظر موافقة المركز الغربي.

المطلوب ليس العودة العمياء إلى الماضي، ولا تحويل علوم الوعي إلى خطاب ديني مغلق. المطلوب هو بناء مشروع معاصر يجمع بين الدراسة النقدية، والتجربة الشخصية المنضبطة، والفلسفة، والتراث، والبحث العلمي حيثما أمكن.

 

 نحو قاعدة عربية مستقلة لعلوم الوعي

لقد وصلت إلى قناعة واضحة: لا بد من إنشاء قاعدة عربية مستقلة لدراسة الوعي وتجارب الخروج من الجسد، قاعدة لا تعادي الغرب، لكنها لا تعتمد عليه.

ينبغي أن نترجم ما نستطيع ترجمته بصورة قانونية، وأن نتعاون مع كل مؤسسة تحترمنا كشركاء حقيقيين، لكن علينا في الوقت نفسه إنتاج كتبنا، ودوراتنا، ومصطلحاتنا، ودراساتنا، ومناهج التدريب الخاصة بنا.

كما يجب أن نبني شبكات تعاون مع الباحثين في الهند والصين وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها من المناطق التي عانت بدورها من المركزية الغربية. فالعالم لا يقتصر على الولايات المتحدة وأوروبا، والمعرفة لا تتحرك في اتجاه واحد.

التعاون الدولي الحقيقي لا يعني أن يرسل المركز الغربي المعرفة إلى الأطراف، بل أن تتبادل المراكز المختلفة الخبرات بصورة متكافئة.

 

 دور مايندسكيب

أرى أن مايندسكيب يجب أن تكون جزءًا من هذا التحول. ليس الهدف أن تصبح نسخة عربية من مؤسسة غربية، ولا أن تردد أفكار مونرو أو روبرت بروس أو الكونشينتولوجي أو غيرهم بصورة آلية.

يمكننا دراسة هذه المدارس والاستفادة منها ونقدها، لكن علينا أن نبني هويتنا الخاصة ومنهجنا الخاص، المنطلق من تجربتنا وثقافتنا واحتياجات مجتمعاتنا.

يجب أن تكون مايندسكيب مساحة لاستكشاف الوعي والواقع بطريقة منهجية، غير دوغمائية، وغير خاضعة لسلطة دينية أو فكرية أو غربية. مساحة تسمح بالتجربة والنقد، وتحترم التراث دون أن تقدسه، وتستفيد من العلم دون أن تحوله إلى أيديولوجيا مادية مغلقة.الاستقلال لا يعني الانغلاق، بل يعني الدخول في التعاون من موقع الند، لا من موقع التابع.

 

 رسالتي إلى المؤسسات والباحثين الغربيين في مجال علوم الوعي

رسالتي للمؤسسات والباحثين الغربيين بسيطة: إن كنتم تؤمنون فعلًا بعالمية الوعي، فعليكم أن تجعلوا ممارساتكم مؤهلة لهذا الخطاب.

لا يكفي الحديث عن الوحدة والروح الكونية، بينما تبقى المعرفة محصورة في اللغة الإنجليزية أو البرتغالية، ولا يكفي الدعوة إلى تجاوز الأنا، بينما تُعامل المؤسسات غير الغربية بفوقية أو شك دائم.

العالم العربي والهند والصين وأفريقيا ليست مجرد أسواق محتملة، وليست مناطق متأخرة تنتظر الإنقاذ. فيها باحثون ومؤلفون وممارسون قادرون على الإضافة والنقد والتطوير، وليس فقط الترجمة والاستهلاك.

التعاون الحقيقي يحتاج إلى الاحترام، والشفافية، والاعتراف المتبادل، وتقاسم الفرص والحقوق، لا إلى قبول العمل المجاني ثم منع صاحبه من نشره أو الاستفادة منه.

 

 خاتمة

لا أكتب هذا الكلام لأدعو إلى القطيعة مع الغرب، ولا لأنكر قيمة ما قدمه في مجال الوعي وتجارب الخروج من الجسد. كما لا أريد أن أستبدل التعصب الغربي بتعصب عربي أو إسلامي مقابل.

لكنني أرفض أن يُطلب منا دائمًا أن نثبت أهليتنا أمام مؤسسات لا تبذل الجهد نفسه لفهمنا. وأرفض أن تتحول الروحانية إلى غطاء جميل يخفي تحته الربح والمركزية والتمييز.

تجربتي السلبية لم تدفعني إلى التخلي عن التعاون الدولي، لكنها دفعتني إلى إعادة تعريفه. التعاون الذي نحتاجه ليس تبعية لأي جهة، بل شراكة بين أطراف متساوية. وليس انتظارًا للاعتراف، بل بناء مؤسسات قوية تفرض احترامها من خلال إنتاجها واستمرارها وجودة عملها.

قد يرفض البعض ترجمة كتبه، وقد تتجاهل مؤسسات كثيرة العالم العربي، لكن ذلك لا يعني أن نتوقف. بل يعني أن الوقت قد حان لنكتب كتبنا، ونبني مناهجنا، ونؤسس مدارسنا، ونقدم رؤيتنا الخاصة لعلوم الوعي.

لا ينبغي أن نبقى على هامش خريطة الوعي العالمية. علينا أن نصنع مركزنا الخاص.

 

المدرب محمد العمصي

باحث ومستكشف خارج الجسد

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page