top of page

عندما لا يعود السؤال عن المعنى عدوًا

  • صورة الكاتب: المدرب محمد العمصي
    المدرب محمد العمصي
  • 25 مايو
  • 2 دقيقة قراءة

يمرّ بعض الناس بلحظة داخلية صامتة لا تبدو، من الخارج، حدثًا كبيرًا. الحياة مستمرة: العمل، العلاقات، الالتزامات، التفاصيل اليومية. لكن في الداخل ينفتح سؤال ثقيل: ما معنى كل هذا؟ أحيانًا لا يأتي السؤال نتيجة فشل أو صدمة واضحة، بل نتيجة اتساع مفاجئ في الوعي؛ كأن الإنسان يرى فجأة أن المعاني التي عاش بها لم تكن مطلقة كما ظن، وأن كثيرًا مما منحه الطمأنينة كان مبنيًا على عادات اجتماعية، أو تفسيرات موروثة، أو احتياجات نفسية للثبات.

في هذه المرحلة، قد يظن الإنسان أن عليه أن يجد جوابًا نهائيًا فورًا. يريد تفسيرًا كاملًا للوجود، للحياة، للموت، للألم، ولسبب وجوده هنا. لكن السعي المحموم نحو الإجابة قد يتحول إلى إرهاق وجودي. فالعقل لا يهدأ، والوعي يصبح كأنه يدور حول نفسه، وكل إجابة تبدو مؤقتة أو ناقصة. هنا لا يكون الخطر في السؤال ذاته، بل في تحويل السؤال إلى معركة مع الحياة.

من منظور أكثر نضجًا، لا يكون المطلوب دائمًا أن نغلق السؤال، بل أن نتعلّم كيف نحمله دون أن يبتلعنا. فالمعنى قد لا يكون شيئًا جاهزًا نكتشفه كما نكتشف حجرًا على الطريق، وقد لا يكون وهمًا كاملًا نخترعه بلا أساس. ربما يكون المعنى علاقة تنظيمية بين الوعي والحياة: طريقة يصطفّ بها الإنسان مع ما يراه صادقًا، رحيمًا، ومفيدًا لنموه ونمو من حوله.

حين ننظر إلى الوعي كحقل، لا يصبح المعنى فكرة عقلية فقط، بل حالة اتساق. قد يعيش الإنسان معنى عميقًا في لحظة مساعدة صادقة، أو في عمل يؤديه بحضور، أو في صمت يسمح له بأن يرى نفسه بوضوح. هنا ينتقل المعنى من كونه نظرية عن الكون إلى ممارسة يومية داخل الكون. وهذا لا يلغي الأسئلة الكبرى، لكنه يمنعها من

التحول إلى عبء دائم.

إن الفرق بين البحث الصحي والبحث المُنهك هو وجود التوازن. البحث الصحي يفتح الوعي، يزيد التواضع، ويجعل الإنسان أكثر رقة ومسؤولية. أما البحث المُنهك فيجعله عالقًا في التجريد، منفصلًا عن جسده، علاقاته، وواقعه. لذلك لا يكفي أن نسأل: ما معنى الحياة؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: كيف يؤثر هذا السؤال في طريقة عيشي؟ هل يجعلني أكثر حضورًا، أم أكثر هروبًا؟ هل يزيد قدرتي على المحبة والفعل، أم يحوّلني إلى مراقب متعب يقف خارج حياته؟

في هذا السياق، قد تكون نهاية البحث عن المعنى ليست نهاية السؤال، بل نهاية التوتر المرضي حوله. أن نسمح للغز أن يبقى لغزًا، دون أن نفقد القدرة على العيش. أن نختبر النماذج دون أن نعبدها. أن نمنح التجربة حقها، والتحليل حقه، والواقع اليومي حقه.

ربما لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى تفسير نهائي كي يعيش بعمق. أحيانًا يحتاج فقط إلى قدر أكبر من الصدق، الاتزان، والإرادة التنظيمية التي تعيده إلى الحياة لا تهرب به منها. فالنضج الوجودي لا يعني امتلاك كل الإجابات، بل القدرة على السير بوعي داخل الأسئلة، دون أن ينطفئ القلب أو يتعطل الفعل.

إذا وجدت هذا المقال مفيدًا، فقد يناسبك هذا الكتاب للتعمق أكثر في موضوع الوعي والمعنى:

نهاية البحث عن المعنى: كيف تعيش عندما لا تحتاج إلى تفسير الوجود
$3.99
شراء الآن

تعليقات


bottom of page