top of page

من التجربة إلى المعرفة: لماذا لا يكفي أن نعيش ما حدث؟

  • صورة الكاتب: المدرب محمد العمصي
    المدرب محمد العمصي
  • قبل يومين
  • 2 دقيقة قراءة

في كثير من الأحيان يظن الإنسان أن قوة التجربة تكفي لإثبات معناها. فإذا مرّ بلحظة وعي عميقة، أو حلم واعٍ شديد الوضوح، أو تجربة خارج-فيزيائية بدت له أكثر واقعية من الواقع اليومي، يميل مباشرة إلى القول: لقد عرفت. لكن في منهج كتابات محمد العمصي، لا تبدأ المعرفة من التجربة وحدها، بل من الطريقة التي نتعامل بها مع التجربة بعد حدوثها. فالتجربة مهمة، وربما تكون نافذة حقيقية على أبعاد أوسع من الوعي، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى معرفة ناضجة ما لم تمر عبر الفحص، والتمييز، والمراجعة. ويظهر هذا بوضوح في مشروعه الذي يجمع بين التجربة المباشرة، والتحليل الفلسفي، والتحقق المنهجي ضمن دورة تغذية راجعة تكرارية.


الخطأ الأول هو الخلط بين ما عشته وما يعنيه ما عشته. قد يشعر الإنسان أثناء تجربة وعيّية باتساع، أو حضور، أو خروج من حدود الجسد، أو تواصل مع حقل أوسع. هذا هو مستوى التجربة. بعد ذلك يبدأ مستوى التفسير: هل كانت التجربة خارج-فيزيائية فعلًا؟ هل كانت حالة عصبية استثنائية؟ هل كانت تفاعلًا بين الوعي والذاكرة والرمز؟ ثم يأتي مستوى النموذج: أي إطار نظري يمكنه تنظيم هذه المعطيات دون أن يبتلعها؟ هنا يصبح الفرق حاسمًا بين الباحث والمصدّق. الباحث لا ينكر التجربة، لكنه لا يسمح لها بأن تتحول بسرعة إلى يقين نهائي.


من هذا المنظور، لا يكفي أن نقول: “حدث لي هذا، إذن هذا هو الواقع”. فالتجارب، مهما بلغت شدتها، تمر عبر الذاكرة، واللغة، والتوقع، والخوف، والرغبة، والصور الثقافية السابقة. الإنسان لا يستقبل التجربة كمرآة صافية دائمًا، بل ككائن يحمل تاريخًا نفسيًا ومعرفيًا. لذلك تصبح الكتابة بعد التجربة أداة أساسية: ماذا حدث بالضبط؟ ما الذي رأيته؟ ما الذي شعرت به؟ ما الذي أضفته لاحقًا كتفسير؟ وما الذي يمكن اختباره مرة أخرى؟


في الكونشيوسايبرناتكس يظهر هذا المعنى بصورة عملية؛ فالوعي لا يُعامل كسرّ غامض فقط، ولا كآلة عصبية مغلقة، بل كنظام حي يمكن رصده وتوجيهه وتصحيحه وتطويره. هذا لا يعني السيطرة الكاملة على الوعي، بل يعني الانتقال من العشوائية إلى التعلّم المنهجي: تحديد الحالة، مراقبة الإشارات، تعديل الممارسة، ثم فحص النتائج.


بهذا المعنى، التجربة ليست نهاية الطريق، بل بدايته. قيمتها لا تكمن فقط في غرابتها أو جمالها، بل في قدرتها على فتح سؤال جديد. التجربة غير المفحوصة قد تتحول إلى وهم كبير، والتجربة المرفوضة بسرعة قد تغلق بابًا معرفيًا مهمًا. أما التجربة التي تُحترم دون تقديس، وتُفحص دون اختزال، فقد تصبح مادة حقيقية لنضج الوعي.


ربما يحتاج الباحث في الوعي إلى فضيلتين متوازنتين: الشجاعة في استقبال ما لا يفهمه، والتواضع في عدم تحويله فورًا إلى حقيقة مطلقة. بين الإنكار السريع والتصديق السريع توجد مساحة ثالثة أكثر خصوبة: أن نعيش التجربة، ثم نسألها بهدوء، ثم نختبر ما يمكن اختباره، ونترك ما تبقى مفتوحًا. فالمعرفة الوعيّة ليست امتلاكًا للحقيقة، بل علاقة أكثر نضجًا مع المجهول.


السائر بين العوالم ( النسخة المحدثة والموسعة)
$14.99
شراء الآن

تعليقات


bottom of page